محمد جمال الدين القاسمي
378
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 114 ] وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلاَّ خائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 114 ) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها إنكار واستبعاد لأن يكون أحد أظلم ممن فعل ذلك ، ولما وجّه تعالى الذم فيما سبق في حق اليهود والنصارى ، ذيّله بذم المشركين في قوله : كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ . ثم وجهه بهذه الآية أيضا للمشركين الذين أخرجوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه من مكة ، ومنعوهم من الصلاة في المسجد الحرام ، وصدوهم أيضا عنه ، حين « 1 » ذهب إليه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه من المدينة عام الحديبية ، وكل هذا تخريب للمسجد الحرام ، لأن منع الناس من إقامة شعائر العبادة فيه ، سعى في تخريبه . وأيّ خراب أعظم مما فعلوا ؟ أخرجوا عنه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه . واستحوذوا عليه بأصنامهم وأندادهم وشركهم ، كما قال تعالى : وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ ، إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ [ الأنفال : 34 ] ، وقال تعالى : ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ ، أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ [ التوبة : 17 - 18 ] ، وقال تعالى : هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ [ الفتح : 25 ] ، فإذا كان من آمن بالله واليوم الآخر . . إلخ مصدودا عنه ، مطرودا منه ، فأي خراب له أعظم من ذلك ، والعمارة إحياء المكان وشغله بما وضع له . وليس المراد بعمارته . زخرفته وإقامة صورته فقط ، إنّما عمارته بذكر الله فيه وإقامة شرعه
--> ( 1 ) هذا حديث جم الفائدة عظيم القدر يعتبر من أهم الوثائق التاريخية في سيرة الرسول الأعظم صلّى اللّه عليه وسلّم وقد عنى الإمام البخاريّ به عنايته بكل عظيم . فأخرجه في : الحج ، باب من أشعر وقلّد بذي الحليفة ثم أحرم . وفي : الشروط ، باب ما يجوز من الشروط في الإسلام ، باب ما يجوز من الشروط في الجهاد . وفي : المغازي في ثلاثة مواضع : عن عليّ بن عبد اللّه . وعن عبد اللّه بن محمد . وعن إسحاق . وإن أطول طريق له هو الذي أخرجه في : الشروط ، باب ما يجوز من الشروط في الجهاد ، وقد استغرق سرده ست صفحات من الصحيح .